ابن رشد

182

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 269 ] أحدها : أن معرفة وضع الشرائع ليس تنال إلا بعد المعرفة باللّه وبالسعادة الإنسانية والشقاء الإنساني ، وبالأمور الإراديات « 55 » التي يتوصل بها إلى السعادة ، وهي الخيرات والحسنات ، والأمور التي تعوق عن السعادة وتورث الشقاء الأخروي ، وهي الشرور والسيئات . [ 270 ] ومعرفة السعادة الإنسانية والشقاء الإنساني يستدعي معرفة ما هي النفس وما جوهرها ؟ وهل لها سعادة أخروية وشقاء أخروي أم لا ؟ وإن كان فما مقدار هذه السعادة وهذا الشقاء ؟ وأيضا : فبأي مقدار تكون الحسنات سببا للسعادة ؟ فإنه كما أن الأغذية ليست تكون سببا للصحة بأي مقدار استعملت ، ( 61 / و ) وفي أي وقت استعملت ، بل بمقدار مخصوص ووقت مخصوص ، وكذلك الأمر في الحسنات والسيئات . ولذلك نجد هذه كلها محدودة في الشرائع . وهذا كله أو معظمه ليس يتبين إلا بوحي ، أو يكون تبيينه بالوحي أفضل . وأيضا فإن معرفة اللّه على التمام إنما تحصل بعد المعرفة بجميع الموجودات . [ 271 ] ثم يحتاج ، إلى هذا كله ، واضع الشرائع أن يعرف مقدار ما يكون به الجمهور سعيدا من هذه المعرفة ، وأي الطرق هي الطرق التي ينبغي أن تسلك بهم في هذه المعارف . وهذا كله ، بل أكثره ، ليس يدرك بتعلم ولا بصناعة ولا حكمة . وقد يعرف ذلك على اليقين من زاول العلوم ، وبخاصة وضع الشرائع وتقرير القوانين والإعلام بأحوال المعاد . [ 272 ] ولما وجدت هذه كلها في الكتاب العزيز على أتم ما يمكن ، علم أن ذلك بوحي من عند اللّه ، وأنه كلامه ألقاه على لسان نبيه . ولذلك قال تعالى منبها على هذا : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ » الآية ( - « وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » الإسراء 88 ) . [ 273 ] ويتأكد هذا المعنى بل يصير إلى حد القطع واليقين التام ، إذا علم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أميا ، نشأ في أمة أمية عامية بدوية ، لم يمارسوا العلوم قط ، ولا نسب إليهم علم ، ولا تداولوا الفحص عن الموجودات على ما جرت به عادة اليونانيين وغيرهم من الأمم الذين كملت الحكمة فيهم في الأحقاب الطويلة .

--> ( 55 ) الإراديات ، ج . إرادية : العمليات . . في مقابل النظريات . . فالإراديات تشمل الأخلاقيات والعبادات الخ . . .